الجزائر- مليكة ملايكية
بعد أكثر من 17 عاماً من الانتظار والدراسات والمفاوضات، دخل مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مرحلة التنفيذ الفعلي، في خطوة تعيد رسم خريطة الطاقة في أفريقيا وتعزز موقع الجزائر بوصفها بوابة رئيسية لتصدير الغاز الأفريقي نحو أوروبا.
وأعلنت الجزائر ونيجيريا والنيجر رسمياً، في 4 جوان 2026، إطلاق أشغال الشطر الجزائري من المشروع الاستراتيجي الذي يربط حقول الغاز النيجيرية بالسوق الأوروبية عبر أراضي دولة النيجر والجزائر، في تحول وصفته الأطراف الثلاثة بـ”التاريخي” بعد سنوات طويلة من التعثر، ووصفته الصحافة العالمية المتخصصة بــ “المنفذ” الأوروبي إلى غاز أفريقيا.
مشروع عملاق يربط أفريقيا بأوروبا
يمتد أنبوب الغاز العابر للصحراء على مسافة تقارب 4128 كيلومترا، انطلاقاً من مدينة ‘واري’ النيجيرية مروراً بالنيجر وصولاً إلى مركز ‘حاسي الرمل’ الجزائري، أحد أكبر مراكز تجميع الغاز في قارة أفريقيا.
ويستهدف المشروع نقل ما بين 20 و30 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، ما يجعله من أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقوية في القارة.
وتعوّل الدول الثلاث على المشروع لتسويق الاحتياطات الغازية الضخمة التي تمتلكها نيجيريا، وربطها مباشرة بالأسواق الأوروبية عبر الشبكة الجزائرية المتطورة وخطوط الأنابيب البحرية المتجهة إلى إيطاليا وإسبانيا.
من اتفاق 2009 إلى ورشات الإنجاز في 2026
بدأت فكرة المشروع رسمياً عام 2009 عندما وقعت الجزائر ونيجيريا والنيجر اتفاقاً ثلاثياً في العاصمة النيجيرية أبوجا لإنجاز خط الغاز العابر للصحراء.
لكن المشروع واجه على مدار سنوات تحديات متعددة، من بينها الأوضاع الأمنية في منطقة الساحل، وصعوبات التمويل، والتغيرات السياسية التي شهدتها النيجر، إضافة إلى تقلبات أسواق الطاقة العالمية.
ورغم هذه العراقيل، حافظت الجزائر ونيجيريا على التزامهما بالمشروع، قبل أن تمنح أزمة الطاقة العالمية التي أعقبت الحرب الروسية الأوكرانية دفعة قوية لإعادة إحيائه وتسريع خطوات تجسيده.
لماذا أصبح المشروع أكثر أهمية اليوم؟
تغيرت المعادلات الطاقوية العالمية بشكل جذري منذ عام 2022، مع سعي أوروبا إلى تقليص اعتمادها على الغاز الروسي والبحث عن مصادر بديلة أكثر استقراراً.
وفي هذا السياق، برزت الجزائر كأحد أهم موردي الغاز الموثوقين إلى أوروبا، حيث توفر حالياً نحو 12 بالمائة من واردات القارة من الغاز الطبيعي وأكبر مصدر نحو إسبانيا .
ويرى مراقبون أن أنبوب الغاز العابر للصحراء قد يمنح أوروبا مصدراً إضافياً للإمدادات، وهي ما تزال تبحث عن مصادر إضافية ومتنوعة للغاز الطبيعي.
ويُنظر إلى أنبوب نيجيريا– النيجر– الجزائر باعتباره أحد أكبر المشاريع القادرة على ربط احتياطات غرب أفريقيا مباشرة بالسوق الأوروبية عبر البنية التحتية الجزائرية القائمة، و في الوقت نفسه يفتح أمام أفريقيا فرصة تاريخية للتحول إلى لاعب أكثر تأثيراً في أسواق الطاقة العالمية.
يرى محللون أوروبيون أن المشروع يكتسب أهمية خاصة منذ أزمة الطاقة التي أعقبت تراجع واردات الغاز الروسي، لأن أوروبا
رهان اقتصادي يتجاوز تصدير الغاز



لا تقتصر أهمية المشروع على تصدير الغاز نحو أوروبا، بل تشمل أيضاً تعزيز التنمية الاقتصادية في دول العبور.
ومن المتوقع أن يساهم المشروع في:
- تطوير البنية التحتية الطاقوية في الجزائر والنيجر ونيجيريا.
- جذب استثمارات بمليارات الدولارات.
- خلق آلاف مناصب العمل المباشرة وغير المباشرة.
- دعم التكامل الاقتصادي بين دول أفريقيا.
- تحسين فرص وصول الطاقة إلى دول الساحل.
كما سيتيح للجزائر استغلال قدرات إضافية من حقولها الغازية الجديدة، خاصة في حوض أهنات، عبر دمج الإنتاج المحلي مع الغاز القادم من نيجيريا.
تكلفة المشروع وآفاق التمويل
تُقدَّر التكلفة الإجمالية لمشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء بنحو 13 مليار دولار، تشمل إنجاز خط الأنابيب الممتد على أكثر من 4128 كيلومترًا والمنشآت المرافقة له، ما يجعله أحد أكبر مشاريع البنية التحتية الطاقوية في أفريقيا. وتشير المعطيات المتاحة إلى أن الجزائر ونيجيريا ستقودان عملية التمويل الأساسية مع إمكانية مساهمة مؤسسات مالية وبنوك أفريقية في تمويل بعض المراحل.
فيما يرتقب أن يدعم بنك الطاقة الأفريقي المزمع إطلاقه الشهر المقبل، مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء على غرار مشاريع المصافي الإقليمية- بحسب ما صرح به – الأمين العام لمنظمة منتجي النفط الأفارقة الجزائري، فريد غزالي، الخميس، والذي أبرز أن ” بنك الطاقة الأفريقي يشكل تجسيدا ملموسا للتعاون الطاقوي الإفريقي ويندرج ضمن ديناميكية الاندماج التي تعمل القارة على تجسيدها منذ عدة سنوات”.
ويستفيد المشروع أيضاً من وجود بنية تحتية منجزة مسبقاً داخل الجزائر ونيجيريا، ما يقلص جزءاً من تكاليف التنفيذ مقارنة بمشاريع منافسة.
مشروع نيجيريا- المغرب عبر الأطلسي هل هو مشروع منافس ؟
يتزامن إطلاق أشغال أنبوب الغاز العابر للصحراء نيجيريا-النيجر- الجزائر مع الحديث عن مشروع آخر يستهدف نقل الغاز النيجيري إلى المغرب ثم اوروبا مرورا ب14 دولة أفريقية
يمتد مشروع خط الأنابيب على نحو 6000 كيلومتر عبر الساحل الأطلسي ويمر بـ13 دولة أفريقية، تعيش أغلبها أزمات إقتصادية وأمنية خانقة ولا استقرار سياسي دائم، مما يطرح الشك حول إمكانية تجسيده حتى في حالة وجود من يمول .
فبالرغم من أن نيجيريا تمتلك احتياطيات غاز ضخمة جدًا تتجاوز 200 تريليون قدم مكعب، وهي كميات قد تسمح بتغذية أكثر من مسار تصدير الا أن هذه المعطيات النظرية تتعارض مع الاحتمالات العملية التي تستبعد امكانية اقامته وتعتبره “حلم ” طويل الأمد والأكثر تعقيدا وتكلفة ( من 25 الى 30 مليار دولار)، مما يقلص فرص استمرارية هذا المشروع حتى على الورق..
غير أن العديد من الخبراء يرون أن المشروع العابر للصحراء (نيجيريا- النيجر-الجزائر) يتمتع ب نقاط القوة، أبرزها قصر المسافة، وانخفاض التكلفة، واعتماده على شبكة غاز جزائرية ونيجيرية قائمة بالفعل ومرتبطة مباشرة بالسوق الأوروبية.
| أنبوب نيجيريا – المغرب | أنبوب نيجيريا – الجزائر | |
| أكثر من 5600 كلم | 4128 كلم | الطول |
| بين 25 و30 مليار دولار أو أكثر وفق تقديرات مختلفة | نحو 13 مليار دولار | التكلفة التقديرية |
| نحو 14 دولة أفريقية ويمرعلى الساحل الأطلسي | نيجيريا- النيجر- الجزائر | الدول العابرة |
| أطول وأكثر تعقيداً | أقصر نسبياً | مدة الإنجاز |
| يتطلب إنشاء أجزاء كبيرة جديدة | يستفيد من شبكة جزائرية ونيجيرية جاهزة | البنية التحتية القائمة |
أفريقيا تعيد رسم خريطة الطاقة
يمثل انطلاق أشغال أنبوب الغاز العابر للصحراء نيجيريا – النيجر – الجزائر أكثر من مجرد مشروع لنقل الغاز، فهو مؤشر على دخول أفريقيا مرحلة جديدة من المشاريع القارية الكبرى التي تسعى إلى استثمار الموارد الطبيعية لخدمة التنمية والتكامل الاقتصادي، في ظل منافسة عالمية على امداد أوروبا بالغاز وإيجاد بدائل له.
وبينما تم فعلا بدأ المشروع على الأرض، وتتضح شيئا فشيئا طرق التمويل والأمين والإنجاز ، فإن انتقال المشروع من مرحلة الدراسات إلى مرحلة الأشغال الفعلية يشكل تحولاً نوعياً قد يجعل من الصحراء الكبرى خلال السنوات المقبلة ممراً استراتيجياً لأحد أهم شرايين الطاقة بين أفريقيا وأوروبا.
أنا أفريقيا + الوكالات

