مليكة ملايكية / أنا أفريقيا
تتجاوز جائزة نوبل للسلام لعام 2026، التي مُنحت للقاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، حدود التكريم الفردي لتستحضر مسيرة قانونية ارتبطت بمحطات مفصلية في تاريخ العدالة الدولية، من مقاومة نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا إلى محاسبة المسؤولين عن الإبادة الجماعية في رواندا، مرورا بالتحقيق في الانتهاكات المرتكبة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومتابعة القضية المتعلقة باتهامات الإبادة الجماعية بحق أقلية الروهينغيا في ميانمار.
ويأتي هذا التتويج في سياق دولي محتدم، تتصاعد فيه الخلافات حول دور المؤسسات القضائية الدولية وحدود مساءلة الدول والقادة عن الجرائم الجسيمة. كما أعاد إلى الواجهة تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي ترأستها بيلاي، وخلص في سبتمبر 2025 إلى أن الكيان الاسرائيلي المحتل ارتكب إبادة جماعية في قطاع غزة.
وبين الاحتفاء الأفريقي بالجائزة والانتقادات الصادرة عن مسؤولين صهاينة وأمريكيين، تحولت بيلاي إلى محور نقاش يتجاوز سيرتها المهنية، ليطال مستقبل القانون الدولي وقدرة مؤسساته على أداء دورها في ظل الضغوط السياسية.
الاتحاد الأفريقي: نافي ابنتنا المتميزة ومصدر إلهام النساء الأفريقيات



رحب الاتحاد الأفريقي بمنح نافي بيلاي جائزة نوبل للسلام، واعتبر رئيس مفوضية الاتحاد، محمود علي يوسف، أنها ابنة متميزة للقارة، وأن هذا التكريم يمثل مصدر فخر لأفريقيا، ولا سيما للنساء والفتيات الأفريقيات.
وأشاد يوسف بمسيرتها الممتدة من النضال ضد الأبارتايد في جنوب أفريقيا إلى عملها في المحكمة الجنائية الدولية لرواندا والمحكمة الجنائية الدولية، وصولا إلى مسؤولياتها في الأمم المتحدة، معتبرا أن تجربتها تجسد مساهمة النساء الأفريقيات في القيادة الدولية وترسيخ العدالة وحقوق الإنسان.
ويعكس الموقف الأفريقي تقديرا لمسيرة ارتبطت بتطوير آليات المساءلة عن الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية والعنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، في وقت تواجه فيه المؤسسات متعددة الأطراف تحديات متزايدة.
غضب في البيت الأبيض و” دار” الإبادة الجماعية
لم يمر إعلان الجائزة من دون انتقادات سياسية، خصوصا في دولة الاحتلال الاسرائيلي والولايات المتحدة، على خلفية مواقف بيلاي من الحرب في غزة ودورها في رئاسة لجنة التحقيق الأممية التي خلصت إلى ارتكاب (إسرائيل) إبادة جماعية في القطاع.
وفي واشنطن، قلل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من شأن بيلاي، قائلا إنه لم يسمع بها من قبل، ووصفها بأنها شخصية مجهولة، كما انتقد قرار لجنة نوبل، معتبرا أن عدم منحه الجائزة يمثل إساءة إلى النرويج.
وصعّد ترامب المواجهة مع المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة أعادت الجدل حول الضغوط التي تتعرض لها المؤسسات المعنية بملاحقة الجرائم الدولية.
وتكشف هذه المواقف عن اتساع الهوة بين استقلالية المؤسسات القضائية الدولية والقرارات السياسية العليا، ويرى مؤيدو الجائزة أن تكريم بيلاي يسلط الضوء على أهمية حماية القانون الدولي من الضغوط، خصوصا عندما تتعلق القضايا بدول نافذة أو أطراف تتمتع بنفوذ سياسي وعسكري كبير.
جنوب أفريقيا وفلسطين.. إرث الأبارتهايد في مواجهة الإبادة
ما يزيد هذا الفخر دلالة أن جنوب أفريقيا، باسمها وباسم القارة الذي تحمله في اسمها، انخرطت منذ البداية في الدفاع عن الشعب الفلسطيني، و«جرجرت» دولة الاحتلال الإسرائيلي إلى محكمة العدل الدولية، في خطوة غير مسبوقة لمساءلتها أمام القضاء الدولي على خلفية اتهامات بارتكاب إبادة جماعية في قطاع غزة.
ولم تتحرك بريتوريا وحدها، بل وجدت إلى جانبها دولا أفريقية تمسكت بمواقفها الداعمة للحقوق الفلسطينية، في ظل ضغوط سياسية ودبلوماسية رافقت مساعي مساءلة الاحتلال الإسرائيلي. وهكذا، حملت جنوب أفريقيا إلى ساحة العدالة الدولية إرث نضالها ضد الأبارتايد، واضعة قضية فلسطين في قلب معركة أوسع من أجل المساءلة وإنهاء الإفلات من العقاب.
وفي ديسمبر 2023، رفعت جنوب أفريقيا دعوى أمام محكمة العدل الدولية، اتهمت فيها الاحتلال الإسرائيل بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها. وأصدرت المحكمة لاحقا تدابير مؤقتة في القضية، لكنها لم تصدر حكما نهائيا في أصل الاتهامات حتى الآن.
أما بيلاي، فقد ترأست لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى عام 2025. وخلص تقرير اللجنة الصادر في سبتمبر من ذلك العام إلى أن الاحتلال ارتكب إبادة جماعية في غزة، استنادا إلى تحليل أفعال تندرج ضمن أحكام اتفاقية منع الإبادة الجماعية.
نوبل للسلام ترسو في بلاد «مانديلا» للمرة الخامسة
في جنوب أفريقيا، قوبل فوز بيلاي بترحيب رسمي وشعبي، إذ اعتبر الرئيس سيريل رامافوزا الجائزة تكريما لمسيرة كرست جهودها لتعزيز السلام والقانون الدولي، واستحضرت في الوقت نفسه تاريخ البلاد في مقاومة التمييز العنصري.
وأصبحت بيلاي خامس شخصية من جنوب أفريقيا تنال نوبل للسلام، بعد ألبرت لوتولي الذي فاز بها عام 1960، وديسموند توتو عام 1984، ثم نيلسون مانديلا وفريديريك دي كليرك اللذين تقاسما الجائزة عام 1993 تقديرا لدورهما في إنهاء نظام الأبارتايد والانتقال نحو الديمقراطية.
ويحمل التتويج دلالة خاصة لبلاد مانديلا، التي انتقلت من تجربة التمييز العنصري إلى توظيف القضاء الدولي في قضايا حقوق الإنسان والمساءلة. كما يعيد تسليط الضوء على دور القانون في مواجهة أنظمة الإقصاء في النزاعات الدولية.
نافي بيلاي.. من ديربان إلى المحاكم الدولية
ولدت نافانيتيم «نافي» بيلاي في 23 سبتمبر 1941 بمدينة ديربان في جنوب أفريقيا، لعائلة من أصول تاميلية هندية، ونشأت في ظل نظام الأبارتايد الذي فرض التمييز العنصري على السكان غير البيض.
درست القانون وبدأت ممارسة المحاماة في ستينيات القرن الماضي، وأصبحت عام 1967 أول امرأة تؤسس مكتبا للمحاماة في إقليم ناتال. وخلال سنوات الأبارتايد، دافعت عن ناشطين مناهضين للنظام، وارتبط عملها بالدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية في بيئة كانت تفرض قيودا واسعة على غالبية السكان.
وفي عام 1995، عُينت قاضية في المحكمة العليا لجنوب أفريقيا، قبل انتقالها إلى العمل القضائي الدولي. وشغلت منصب قاضية ثم رئيسة للمحكمة الجنائية الدولية لرواندا، وعملت لاحقا قاضية في المحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2008.
كما تولت منصب المفوضة السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان من عام 2008 إلى 2014، حيث عملت على قضايا حقوق الإنسان والمساواة وحماية الفئات الأكثر عرضة للانتهاكات. وترأست بين عامي 2021 و2025 لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة والاحتلال الاسرائيلي، إلى جانب دورها قاضية مخصصة في محكمة العدل الدولية في قضية غامبيا ضد ميانمار.
رواندا والروهينغيا.. محطات في مسيرة العدالة الدولية
شكلت رواندا إحدى أبرز محطات مسيرة بيلاي، إذ انضمت إلى المحكمة الجنائية الدولية لرواندا، التي أنشئت لمحاكمة المسؤولين عن الإبادة الجماعية عام 1994 والانتهاكات الجسيمة المرتبطة بها، ثم تولت رئاسة المحكمة بين عامي 1999 و2003.
وبرز دورها في قضية جان بول أكاييسو، رئيس بلدية تابا السابق، التي أفضى الحكم الصادر فيها عام 1998 إلى تطور قانوني تاريخي، إذ أقر بأن الاغتصاب والعنف الجنسي يمكن أن يشكلا أفعالا من أفعال الإبادة الجماعية إذا ارتكبا بقصد تدمير جماعة محمية كليا أو جزئيا.
ومثلت القضية منعطفا في الاعتراف بالعنف الجنسي بوصفه أداة يمكن أن تستخدم في تنفيذ الإبادة، وأسهمت في تطوير قواعد القانون الجنائي الدولي ومساءلة مرتكبي الجرائم الجسيمة.
ولم تكن فلسطين وجنوب أفريقيا ورواندا محطات نضال نافي بيلاي الوحيدة، فقد امتد دورها إلى قضية الروهينغيا في ميانمار، عبر مشاركتها قاضية مخصصة في محكمة العدل الدولية في قضية غامبيا ضد ميانمار، المتعلقة باتهامات الإبادة الجماعية بحق هذه الأقلية.
وتتهم غامبيا ميانمار بانتهاك اتفاقية منع الإبادة الجماعية، على خلفية العمليات التي استهدفت الروهينغيا وما رافقها من قتل وتهجير وانتهاكات واسعة. وتنظر محكمة العدل الدولية في مسؤولية الدولة بموجب الاتفاقية، في مسار قضائي يختلف عن محاكمات الأفراد أمام المحكمة الجنائية الدولية.
وهكذا، امتدت مسيرة بيلاي عبر ملفات وقارات مختلفة، لتصبح رمزا للسعي إلى العدالة ومساءلة مرتكبي الجرائم الجسيمة، وتعزيز دور القانون الدولي في حماية الشعوب من الانتهاكات، أيا كان موقعها الجغرافي أو الطرف المتهم بارتكابه


