اختتمت الدورة العادية التاسعة والثلاثون لمؤتمر الاتحاد الأفريقي بمقر الاتحاد في أديس أبابا، إثيوبيا، الأحد، بعد يومين من المداولات رفيعة المستوى لرؤساء دول وحكومات القارة الأفريقية.، وسط تحديات أمنية واقتصادية متصاعدة على مستوى القارة، كدرت أجواءها التدخلات الأجنبية الّا متناهية في الشؤون الداخلية لبلدان كثيرة .
القمة شكلت محطة سياسية مهمة أعادت ترتيب أولويات العمل الأفريقي المشترك، مع تركيز واضح على ملفات الأمن، التكامل الاقتصادي، إصلاح الحوكمة العالمية والعدالة التاريخيةلأفريقيا.
المياه أولوية إستراتيجية لأفريقيا في 2026
أفاد البيان الاعلامي الصادر عقب اختتام القمة ، بانتقال رئاسة الاتحاد من أنغولا إلى بوروندي، بالتزامن مع إطلاق شعار عام 2026 المتمثل في:“ضمان توافر المياه المستدامة وأنظمة الصرف الصحي الآمنة لتحقيق أهداف أجندة 2063.”
وقد جددت القمـة التأكيد على مركزية أجندة 2063 كإطار استراتيجي لنمو شامل وتنمية مستدامة في القارة، مرحبة بالتقدم في تنفيذ البرنامج الشامل للتنمية الزراعية القارية، مع التأكيد على ضرورة تحويل الأنظمة الغذائية الإفريقية وتعزيز القدرة على الصمود أمام الصدمات المناخية.
كما أشاد البيان الختامي بالتقدم في تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الأفريقية، داعيًا الدول الأعضاء إلى تسريع التنفيذ لتعزيز التجارة البينية والتصنيع والقيمة المضافة.
وأخذالقادة الأفارقة علمًا بالمبادرات القارية الهادفة إلى تعبئة الموارد للبنية التحتية والطاقة والمياه والصرف الصحي وبرامج التكيف مع المناخ.
كما أكد على أهمية تمكين الشباب والنساء، والابتكار، والرقمنة، وتنمية المهارات باعتبارها محركات رئيسية لتحول إفريقيا.
القمة الإفريقية الـ39 في أديس أبابا:صفر تسامح مع الإنقلابات
أكد البيان الختامي للقمة التزام الدول الأعضاء بمبدأ “صفر تسامح” مع الانقلابات العسكرية، مجددين العزم على “إسكات البنادق” في القارة.
وأعرب القادة الأفارقة عن قلقهم العميق إزاء استمرار النزاعات، والإرهاب والتطرف العنيف، والتغييرات غير الدستورية للحكومات، والأزمات الإنسانية في بعض مناطق القارة.
كما شدد المؤتمر على ضرورة توفير تمويل متوقع ومستدام ومرن لعمليات دعم السلام التي يقودها الاتحاد الأفريقي.
واعتمدت القمة مذكرة تفاهم بين الاتحاد الأفريقي والتجمعات الاقتصادية الإقليمية والآليات الإقليمية بشأن استخدام القوة الإفريقية الجاهزة، داعيًا إلى تعزيز التنسيق والجاهزية العملياتية.
ويأتي ذلك في ظل استمرار بؤر التوتر في الساحل والقرن الإفريقي ومناطق أخرى من القارة.
أفريقيا داخل مجموعة العشرين: حضور متزايد في الحوكمة العالمية
رحبت القمة مجددا بانظمام الاتحاد الأفريقي الى أعمال مجموعة العشرين، مؤكدة أهمية تنسيق المواقف الإفريقية بشأن: إعادة هيكلة الديون،تمويل التنمية المستدامة،الأمن الغذائي، التحول الرقمي والتكيف مع التغير المناخي.
ويمثل هذا التطور، بحسب البيان، انتقالًا تدريجيًا لأفريقيا من موقع المتلقي للقرارات الدولية إلى فاعل مؤثر داخل دوائر صنع القرار العالمي.
تجريم الاستعمار وتبني إعلان الجزائر: خطوة نحو العدالة التاريخية الإفريقية
أحد أبرز مخرجات القمة الـ39 تمثل في مناقشة توصيف الاستعمار كجريمة ضد الإنسانية، والنظر في اعتبار بعض الممارسات المرتكبة خلال فترات العبودية والترحيل والاستعمار أفعال إبادة جماعية بحق شعوب إفريقيا.
وفي هذا السياق، تبنى القادة إعلان الجزائر، الذي شدد على: “الاعتراف الرسمي بالجرائم الاستعمارية، حفظ الذاكرة الجماعية الإفريقية،دعم مسارات العدالة التاريخية وجبر الضرربالاضافة الى صون كرامة الشعوب الإفريقية.”
هذا التطور يعكس تصاعد الخطاب الإفريقي حول إعادة تقييم الإرث الاستعماري ‘المر’، والانتقال من المقاربة الرمزية إلى مقاربة سياسية وأخلاقية أكثر وضوحًا داخل الإطار المؤسسي القاري.
ويرى مراقبون أن تبني إعلان الجزائر يمنح زخماً جديداً لملف العدالة التاريخية، ويعزز موقع الدول التي جعلت من مناهضة الاستعمار جزءًا من هويتها الدبلوماسية.
منطقة التجارة الحرة و تسريع التكامل الاقتصادي
أشاد البيان الختامي للقمة الأفريقية بالتقدم الملحوظ في تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية، داعية الدول الأعضاء إلى تسريع التنفيذ من أجل:تعزيز التجارة البينية الإفريقية، دعم التصنيع المحلي، خلق سلاسل قيمة إقليمية والتقليل من تبعية الأسواق الخارجية
تضامن دولي: موقف إفريقي موحد بشأن فلسطين
شكلت وحدة الرؤية الأفريقية تجاه القضايا الانسانية المتعلقة بالحروب وتصفية الاستعمار محور التضامن الأفريقي الدائم مع القضية الفلسطينية، حيث جدد الاتحاد الإفريقي تضامنه مع الشعب الفلسطيني،ودعى إلى حل عادل ودائم وفق القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، مؤكدًا تمسكه بالموقف الإفريقي الموحد في هذا الملف.
تحقيق التوازن في قضايا القارة، الأمن سبيل التنمية دائما
، تكشف مخرجات القمة الـ39 عن سعي الاتحاد الأفريقي إلى تحقيق توازن بين مختلف الأهداف التي تسعى لها أجندة 2063، فقد ركز الجهود على ضرورة تثبيت الأمن والاستقرار داخل القارة لضمان تسريع التكامل الاقتصادي، ورفع سقف الخطاب السياسي في ملف العدالة التاريخية ، ناهيك عن تعزيز الحضور الإفريقي في النظام الدولي.
بيد أن التحدي الأكبر يبقى في مدى القدرة على تحويل هذه القرارات إلى سياسات عملية قابلة للتنفيذ، في إطار زمني محدد، وفي ظل محدودية الموارد وتباين أولويات الدول الأعضاء.
القمة الـ39 قد تُذكر مستقبلًا ليس فقط بقراراتها الأمنية والاقتصادية، بل باعتبارها لحظة سياسية أعادت طرح ملف تجريم الاستعمار والعدالة التاريخية في قلب الأجندة الإفريقية الرسمية.

