تستعد إحدى عشر دولة أوروبية تقودهم فرنسا، للإعلان رسميا عن اعترافها بالدولة الفلسطينية ، اليوم الإثنين، خلال قمة تعقد بنيويورك في مقر الأمم المتحدة، تبحث مستقبل حل الدولتين ، كانت سبقتهم البارحة اعترافات كل من بريطانيا، كندا، استراليا، والبرتغال ، فيما بادرت اسبانيا وايرلندا والنرويج، شهر ماي المنصرم، لقيادة سفينة الغرب نحو الإعتراف بفلسطين .
يقول نتنياهو “إن الغرب باعترافه بالدولة الإرهابية، دون أن يسميها ‘الفلسطينية’، فإنه قدَّم فعلا جائزة لحركة حماس،عما فعلته في 07 أكتوبر2023 ” ويقول حسام زملط ، رئيس البعثة الفلسطينية في المملكة المتحدة ، بعد أن شاهد على هاتفه إعلان ستارمر عن اعتراف بريطانيا بدولة فلسطينية في مقر البعثة في لندن، والذي يمكن ترقيته الآن إلى سفارة ،مثلما اقترح مراسل رويترز، ” إن اليوم، هو لحظة يقف فيها رئيس الوزراء البريطاني والحكومة البريطانية، نيابة عن شعبهما، ويقولان: “يجب علينا تصحيح التاريخ ، يجب علينا تصحيح الأخطاء”.
بين الخطأ البريطاني ، ومقاومة الشعب الفلسطيني ، يقف الاحتلال من الداخل مصدوما،مخذولا من موقف لم يتوقعه من حليف، أمده بدعم مادي ومعنوي، طيله العقود السبعة لإنشائه، بينما يقف شعبه (المستورد) يائسا، بائسا، تعيسا، وهو يشاهد تنامي الوعي السياسي لدى الشعوب الغربية، سيما تلك التي ينتمون إليها، ويحملون جنسياتها ويحاولون برًّا وجوًّا وبحرًا العودة إليها، الأمر الذي أصبح أكثر ما يخيفه، بعد أن فقدت الجيوش العربية هيبتها وباتت قرارات الأنظمة تستصدر لصالح الاحتلال وجرائمه.
تفاقيات السلام العربية لم تعقبها اعترافات غربية!
الموجة الجديدة من الإعترافات الغربية بالدولة الفلسطينية ليست صنيعة المفاوضات، ولا صنيعة التهدئة، ولا حتى صنيعة السلام مثلما قال رئيس الوزراء البريطاني كين ستارمر “بأن بلاده اعترفت بالدولة الفلسطينية “لإبقاء أمل السلام حيّا”، أو كما أعلن رئيس الوزراء الكندي مارك كارني “إن كندا تعرض شراكتها لبناء مستقبل سلمي للشعبين الفلسطيني و(الإسرائيلي)، أو حتى رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز حين اعتبر “الاعتراف بالدولة الفلسطينية يأتي كجزء من جهد دولي منسق لإحياء حل الدولتين ووقف إطلاق النار في غزة، فهنالك أمران مهمان، الأول يتعلق باتفاقيات السلام العربية التي كانت موجودة أساسا منذ عقود، والمشروطة بالاعتراف بالدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين، والانسحاب من هضبة الجولان، فمن كامب ديفيد ومدريد مرورا بأوسلو وواد عربة وصولا الى اتفاقية القرن، شهد على نقض العهود مناجيم بيغن والمدللان اسحاق رابين وشمعون بيريس برعاية بيل كلينتون و بوش الأب وحتى ترامب في عهدته الأولى، فمالذي تغير اليوم بشأن إرادة السلام؟
إعلان قيام الدولة الفلسطينية من الجزائر العام 1988 لم يحرك الغرب نحو السلام!
أما الأمر الثاني فيتعلق بتاريخ إعلان قيام الدولة الفلسطينية، الذي كان العام 1988، فوق الأراضي الجزائرية، بحماية أسراب طيرانها العسكري، وكان آلية لا بد منها لبسط السلم والأمن الدوليين، بعد حروب ونكبات ومآسي انسانية، فأقبلت دول عدة من آسيا وأفريقيا وأمريكا الاتينية وعانقت السلام لتزف فلسطين الى مقعدها بالأمم المتحدة، لكن قوبل بالرفض الغربي والتسلط الجائر للباطل –الأممي- على الحق، فلما لم يعانقوا حينها مشروع السلام؟
اليوم والعالم يشهد في قمة تاريخية بنيويورك الأمريكية اعتراف 147 بلدا من أصل 192 دولة من مختلف قارات العالم بالدولة الفلسطينية، عقب موجات سبقتها من الإ عتراف الغربي، التي أربكت الكيان المحتل داخليا وخارجيا، وجعلته يعرف ويعترف ضمنيا، بأن هذه الموجات من بركات الطوفان، طوفان السابع من أكتوبر (الأحمر) الذي يحمل معه دماء محمد الضيف وإسماعيل هنية وعشرات الآلاف من الشهداء الذين أبادتهم ترسانة الإرهاب المحتل.
إن الشعب الفلسطيني آمن بأن الحق الوحيد الأقوى من (الفيتو) هو حق المقاومة المشروعة على الأرض المحتلة، تكفله القوانين الكونية قبل الأممية، ويصنعه منذ ثمانين عاما وما يزيد، وهو مؤمن بأن الإعتراف بدولتة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، قادم لا محالة، ما دام يقاوم تحت أرضه و فوقها. .
الطوفان يحرر الشعوب الغربية من وهم الحرية المزعومة
وإن موجات اعتراف أخرى ستَتَأتّى تِباعا مع تصاعد موجات الإحتجاجات في العواصم الغربية، هذه الأخيرة التي غيرت مسار المفاوضات وأوصلت القضية الى مسالة اعترافات بالدولة الفلسطينية، وأثبت للغرب أنفسهم بأنه مهما تعاظمت ترسانة الحرب العسكرية، وتطورت الاتصالات والتكنولوجيات الفضائية، ومهما تنامت قوة الجماعات الضاغطة، فان إرادة الشعوب الغربية أقوى من أن تثنيها تهمة معاداة السامية أو ترهبها الاسلاموفوبيا، أو تلهيها عن الحق قصص (الجينوسايد النازي ,أو سجون الجيتو) ولا حتى قضايا الصحون الطائرة ولا مواضيع الجندر وأعلام (قوس قزح)، فأعلام فلسطين قد غزت العالم، ساحات، ملاعب ،وشرفات، أو ألوان (البطيخ) مثلما اختارت لها الجماهيرأن تُسمى ، لمواجة الخوارزميات، ومسايرة مارك وماسك ولاري باج وغيرهم … ، غيرت ملامح الناس وحررتهم من وهم الحرية المزعومة، و كشفت لهم أنفسهم، وأثبتت للعالم بأن القضايا الإنسانية العادلة، ما تزال محل .اهتمام الإنسان أينما وجد و كان. واختصارا للمشهد ..
فإن طوفان الأقصى، الذي عرى مفهوم دولة (إسرائيل)، وفتح كتاب التاريخ أمام العالم، وعرض ثياب الرضع المخضبة على مر السنين بالدماء، لم يعد آلة تُرهب الغرب وتَكبُت حريتهم في التعبير، ولم يعد يوم السابع من اكتوبر ‘علكة’ في فم ‘مورغان’ يتشدق بها على الغرب، لتثنيهم عن مساندتهم لمقاومة الفلسطينيين للاحتلال ، لطالما أن الصحفي ‘بيرس مورغان’ نفسه غير قناعته واستسلم تحت بطش التجويع والحصار والإبادة، و اجلالا لصمود شعب يقاوم الاحتلال ببسالة، بل حتى بلاده أيضا استسلمت لإرادة شعبها ولعدالة قضية الفلسطينيين، فحملتها أمواج الطوفان الى قمة نيويورك للاعتراف بدولة فلسطين.

