رفع صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو اقتصادات أفريقيا جنوب الصحراء خلال عام 2026 إلى 4.5%، مقابل 4.3% في تقديراته السابقة، لكنه حذر من تصاعد ضغوط ارتفاع معدلات التضخم تكاليف الاقتراض، في ظل استمرار أعباء خدمة الديون وتراجع المساعدات الخارجية.
وبحسب التوقعات الإقليمية المحدثة للصندوق، من المنتظر أن يرتفع متوسط التضخم في المنطقة من 3.4% في عام 2025 إلى 4.3% في 2026، ثم إلى 5% في 2027، في تحول عن التقديرات السابقة التي رجحت تراجع الضغوط على الأسعار بعد بلوغها ذروتها خلال العام الجاري.
وأرجع الصندوق تحسن توقعات النمو إلى قدرة الاقتصادات على التكيف مع اضطرابات الإمدادات العالمية، إلى جانب الإصلاحات الاقتصادية المحلية التي ساهمت في دعم النشاط الاقتصادي، رغم استمرار التحديات المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة والسلع الأساسية.
خدمة الديون تضغط على الموازنات
في المقابل، تواصل أعباء الديون تقييد الحيز المالي المتاح أمام الحكومات الأفريقية، إذ تستهلك مدفوعات الفوائد نحو 12% من الإيرادات الحكومية في أفريقيا جنوب الصحراء، وفق ما أورده الصندوق.
وحذر الصندوق من أن ارتفاع عوائد سندات الخزانة الأمريكية يزيد تكاليف الاقتراض بالنسبة إلى الدول الأفريقية، حتى مع تراجع الفوارق في عوائد السندات السيادية. كما أن التأخر في إعادة هيكلة الديون قد يعرقل الوصول إلى التمويل ويزيد صعوبة تنفيذ برامج التكيف الاقتصادي.
وفي هذا السياق، أحرزت إثيوبيا وغانا وزامبيا تقدما في عمليات إعادة هيكلة ديونها السيادية، غير أن هذه المسارات استغرقت سنوات، ما يعكس التحديات التي تواجه الدول المثقلة بالديون في استعادة الاستقرار المالي.
تفاوت بين الدول المنتجة للموارد وبقية الاقتصادات
وتتباين الآفاق الاقتصادية داخل القارة بحسب طبيعة اقتصاداتها ومدى اعتمادها على تصدير الموارد الطبيعية. فارتفاع أسعار بعض السلع الأولية يدعم مداخيل الدول المصدرة، في حين تواجه اقتصادات أخرى ضغوطا متزايدة بفعل ارتفاع فاتورة الواردات واتساع العجز الخارجي.
وتزداد هذه التحديات مع توقع تراجع المساعدات الثنائية الخارجية بنسبة 12% إضافية خلال عام 2026، بعد انخفاضها بنحو الربع في عام 2025، ما يفاقم الضغوط على الدول التي تعتمد على التمويل الخارجي لتمويل برامجها التنموية.
كما حذر الصندوق من مخاطر ظاهرة «النينيو» المناخية، التي قد تؤثر في الإنتاج الزراعي والأمن الغذائي، وتشير محاكاته إلى احتمال خفض النمو الاقتصادي بنحو 0.5 نقطة مئوية ورفع التضخم بنحو 2.6 نقطة مئوية في عام 2027 إذا تحقق السيناريو المناخي المتوقع.
نمو اقتصادي لا ينهي الضغوط المعيشية
وتكشف هذه المؤشرات عن مفارقة اقتصادية تواجه دول أفريقيا جنوب الصحراء: تحسن توقعات النمو لا يعني بالضرورة تراجع الضغوط على الموازنات العامة أو تحسن القدرة الشرائية للمواطنين.
فارتفاع التضخم وتكاليف الاقتراض، إلى جانب استحواذ خدمة الديون على حصة من الإيرادات الحكومية وتراجع المساعدات الخارجية، قد يحد من قدرة الحكومات على توجيه الموارد نحو البنية التحتية والصحة والتعليم والحماية الاجتماعية.
وبينما يتوقع صندوق النقد استمرار النمو، ستظل قدرة الدول الأفريقية على تحويل هذا النمو إلى تنمية مستدامة مرتبطة بقدرتها على احتواء التضخم، وإدارة ديونها، وتوسيع مواردها المالية المحلية، وتعزيز القيمة المضافة لثرواتها الطبيعية.
المصدر: رويترز، صندوق النقد الدولي


