الجزائر – شهدت العلاقات بين الجزائر وتشاد دفعة قوية عقب الزيارة الرسمية التي قام بها الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي إتنو إلى الجزائر في الفترة الممتدة من 22 إلى 24 أفريل 2026، بدعوة من الرئيس عبد المجيد تبون، حيث توجت بتوقيع 28 اتفاقية ومذكرة تفاهم، وتأكيد مشترك على الارتقاء بالعلاقات الثنائية إلى مستوى شراكة استراتيجية شاملة.
الزيارة، التي اختتمت ببيان مشترك مفصل، عكست تقارباً لافتاً في الرؤى السياسية والاقتصادية والأمنية بين البلدين، في ظل تحديات إقليمية متصاعدة في منطقة الساحل والقارة الإفريقية
علاقات تاريخية تتجه نحو شراكة متقدمة
أكد الرئيسان خلال مباحثاتهما الثنائية والموسعة ارتياحهما لجودة العلاقات التي تجمع البلدين منذ إقامة العلاقات الدبلوماسية سنة 1975، مشددين على عزمهما منحها “دفعاً جديداً” يرتقي إلى مستوى روابط الأخوة والتضامن والاحترام المتبادل.
وأشار البيان إلى أن هذه الشراكة تقوم على أسس متينة، أبرزها القرب الجغرافي والروابط التاريخية والإنسانية، إلى جانب تقارب وجهات النظر حول القضايا الكبرى في إفريقيا.
كما أشاد الجانبان بالزخم الإيجابي الذي شهدته العلاقات منذ زيارة الرئيس التشادي إلى الجزائر في سبتمبر 2025، واتفقا على تعزيز الإطار المؤسساتي للتعاون وتفعيل آليات المتابعة لضمان تنفيذ المشاريع المشتركة.
تعاون أمني في مواجهة تحديات الساحل

في ظل التحديات الأمنية المتزايدة في منطقة الساحل، شكل التعاون الأمني محوراً أساسياً في المحادثات، حيث تبادل الرئيسان وجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك، خاصة مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
وأكد الطرفان التزامهما بتعزيز التنسيق بين المؤسسات الأمنية، لاسيما في مجالات تأمين الحدود وتبادل المعلومات وبناء القدرات، مع التشديد على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.
كما شددا على أن تحقيق الأمن لا يمكن فصله عن التنمية، معتبرين أن أي مقاربة أحادية لن تنجح في معالجة أزمات المنطقة.
شراكة إقتصادية واعدة ومشاريع استراتيجية

اقتصادياً، اتفق البلدان على تسريع وتيرة التعاون وتحويل الالتزامات إلى مشاريع ملموسة، مع التركيز على قطاعات حيوية مثل الطاقة والمناجم والطاقات المتجددة والنقل.
وشجع الجانبان على إقامة شراكات هيكلية بين المؤسسات الاقتصادية، خاصة في مجالات الطاقة والبنى التحتية ومواد البناء، مع التركيز على نقل الخبرات وتطوير الكفاءات المحلية.
كما تم التأكيد على دور مجلس الأعمال الجزائري-التشادي في تعزيز المبادلات التجارية وتشجيع الاستثمارات، إلى جانب تنظيم منتدى اقتصادي مشترك لدعم التعاون بين الفاعلين الاقتصاديين.
البنية التحتية والتكامل الإقليمي
أبرز البيان أهمية مشاريع البنية التحتية الكبرى، وعلى رأسها الطريق العابر للصحراء، باعتباره مشروعاً استراتيجياً لفك العزلة وتعزيز التكامل الاقتصادي بين دول المنطقة.
كما أشاد الطرفان بالتقدم في مجال النقل الجوي، خاصة فتح خط مباشر بين الجزائر ونجامينا، مع الدعوة إلى توسيع شبكة الربط.
وفي سياق التحول الرقمي، شدد الرئيسان على ضرورة تطوير شبكات الألياف البصرية لدعم اقتصاد المعرفة وتعزيز التعاون التكنولوجي.
تعاون في التعليم والصحة والثقافة

لم تغب الجوانب الاجتماعية والإنسانية عن الزيارة، حيث أكد الجانبان التزامهما بتعزيز التعاون في مجالات التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني.
كما تم الاتفاق على توسيع برامج التكوين وتبادل الخبرات، خاصة في القطاع الصحي، إلى جانب دعم المبادرات الثقافية والإعلامية التي تعزز التقارب بين الشعبين.
توافق سياسي حول القضايا الإقليمية والدولية
على الصعيد السياسي، أبدى البلدان تقارباً واضحاً في مواقفهما تجاه القضايا الإقليمية والدولية، حيث جددا دعمهما للحلول السياسية في الأزمات الإفريقية، في إطار الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة.
وشمل هذا التوافق ملفات ليبيا ومنطقة الساحل والسودان، مع التأكيد على ضرورة احترام سيادة الدول وتبني مقاربات إفريقية لحل الأزمات.
كما تطرق الجانبان إلى قضية الصحراء الغربية، مؤكدين دعم حل سياسي وفق قرارات الأمم المتحدة، إلى جانب تجديد موقفهما الداعم لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.
خطوة نحو محور إفريقي جديد
تعكس هذه الزيارة، بحسب مراقبين، توجه الجزائر نحو تعزيز حضورها في القارة الإفريقية عبر شراكات استراتيجية قائمة على مبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية”.
كما تبرز رغبة تشاد في تنويع شراكاتها الإقليمية، خاصة في ظل التحديات الأمنية والاقتصادية التي تواجهها.
وفي ختام الزيارة، أكد الرئيسان عزمهما مواصلة التنسيق عبر آليات تشاور منتظمة، مع متابعة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة، بما يضمن تحقيق نتائج ملموسة تعود بالنفع على البلدين والقارة الإفريقية ككل.
المصدر: وكالات

